صديق الحسيني القنوجي البخاري
36
فتح البيان في مقاصد القرآن
الغل لخير القرون ، وأشرف هذه الأمة ، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم فقد انقاد للشيطان بزمام ، ووقع في غضب اللّه وسخطه . وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة ، أو صاحب من أعداء خير الأمة ، الذين تلاعب بهم الشيطان ، وزين لهم الأكاذيب المختلفة ، والأقاصيص المفتراة ، والخرافات الموضوعة ، وصرفهم عن كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وعن سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور ، فاشتروا الضلالة بالهدى ، واستبدلوا الخسران العظيم ، بالربح الوافر ، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة ، ومن رتبة إلى رتبة ، حتى صاروا أعداء كتاب اللّه وسنة رسوله ، وخير أمته وصالحي عباده ، وسائر المؤمنين ، وأهملوا فرائض اللّه ، وهجروا شعائر الدين ، وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي ، ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر ، واللّه من ورائهم محيط . قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها في الآية : أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فسبوهم ، ثم قرأت هذه الآية ، وقيل لسعيد بن المسيب : ما تقول في عثمان وطلحة والزبير ؟ قال : أقول ما قولنيه اللّه ، وتلا هذه الآية ، وأخرج ابن مردويه ؛ عن ابن عمر أنه سمع رجلا وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ ، ثم قال : هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت ؟ قال : لا ثم قرأ عليه وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية ثم قال : هؤلاء الأنصار أفأنت منهم ؟ قال : لا . ثم قرأ عليه : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الآية ، ثم قال : أفمن هؤلاء أنت ؟ قال : أرجو ، قال : ليس من هؤلاء من سبب هؤلاء . ولما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب المؤمنين من حالهم فقال : [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 11 إلى 15 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 11 ) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 12 ) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 13 ) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 15 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا هم عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه وقال ابن عباس :